النويري

132

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال الماوردي : فأما العهود الموقظة فسأقول ، وأرجو أن يقترن بالقبول : اجعل أيها الوزير للَّه تعالى على سرّك رقيبا يلاحظك من زيغ في حقه ، واجعل لسلطانك على خلوتك رقيبا يكفّك عن تقصير في أمره ؛ ليسلم دينك في حقوق اللَّه تعالى ، وتسلم دنياك في حقوق سلطانك ، فتسعد في عاجلتك وآجلتك . فإن تنافى اجتماعهما لك فقدّم حقّ اللَّه تعالى على حق الملك . فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وقد روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه [ فآثروا [ 1 ] ما يبقى على ما يفنى ] » وعنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من التمس رضا اللَّه بسخط الناس رضى اللَّه عنه وأرضى عنه الناس » . قال : حقّ [ 2 ] عليك أيها الوزير أن تكون بأمور الناس خبيرا ، وإلى أحوالهم متطلَّعا ، وبهم على نفسك وعليهم مستظهرا ، لأنهم من بين من تسوسه أو تستعين به ، لتعلم ما فيهم من فضل ونقص وعلم وجهل وخير وشرّ ، وتتحرّز من غرور المتشبه [ 3 ] وتدليس المتصنّع ؛ فتعطى كل واحد حقّه ، ولا تقصّر بذى فضل ، ولا تعتمد على ذي جهل . فقد قيل : من الجهل صحبة ذوى الجهل ، ومن المحال مجادلة ذوى المحال . وافرق بين الأخيار والأشرار ، فإنّ ذا الخير يبنى ، وذا الشرّ يهدم . واحذر الكذوب فلن ينصحك من غشّ نفسه ؛ ولن ينفعك من ضرّها . ولا تستكفين عاجزا فيضيّع العمل ، ولا شرها فيضرّك باحتجانه [ 4 ] . ولا تعبأ بمن لا يحافظ على المروءة ، فقلما تجد فيه خيرا ؛ لزهده في صيانة النفس وميله إلى خمول القدر . وبعيد ممن أسقط حق

--> [ 1 ] تتمة الحديث عن قوانين الوزارة وعن الجامع الصغير . [ 2 ] كذا في قوانين الوزارة ، وفى الأصل « حقيق » وهو غير ملائم لما هنا . [ 3 ] كذا في قوانين الوزارة ، ولعل المتشبه : من يظهر بغير ما فطر عليه من صفات ومواهب ، بأن يظهر مظهر ذي الكفاية والفضل وليس به . وفى الأصل : « المشية » وهو تحريف . [ 4 ] احتجن المال : ضمه لنفسه واحتواه .